كيف تستغل بعض الشركات شغفنا بالأطعمة “الصحية”؟

كيف تستغل بعض الشركات شغفنا بالأطعمة "الصحية"؟

أهلا بكم في عامٍ جديد ربما يتضمن أن تصبح فيه ذا “شخصية جديدة” أيضاً. ويمكن القول إن أحدث الصيحات وأكثرها تألقاً على صعيد المنتجات التي تؤدي إلى تقليل الوزن والحفاظ على الصحة، يتمثل في ظهور توجه نحو تناول الأطعمة والمشروبات التي تفيد الصحة البدنية والذهنية.

وقد بلغ الاهتمام بهذا التوجه إلى درجة أن البحث عن هذا النوع من الأغذية على موقع إنستغرام أظهر عددا مذهلا من المنشورات، بلغت 15 مليوناً و315 ألفاً و754 منشوراً.

ويعني ذلك أن هناك رواجاً كبيراً في الوقت الراهن للصناعة الخاصة بإعداد الأطعمة والمشروبات المرتبطة بهذا التوجه، لكن هل هناك أي سبب علمي يقف وراء ذلك؟

على أي حال يتضمن الالتزام بهذا التوجه القيام بأشياء عديدة، بدءً من الحرص على أن يكون للخضروات نصيبٌ أكبر من الوجبة التي يتناولها المرء، وصولاً إلى مستوى متطرف يحدو بمن يبلغه إلى أن تخلو مائدة طعامه من مجموعات غذائية بعينها، واتباع نمط حياة جديد بشكل كامل.

ولا يحب العديد من العاملين في هذا المجال وصف التوجه المتعلق بالحرص على الأغذية التي تفيد الصحة البدنية والذهنية بأنه مجرد نظام للحمية الغذائية، وهو ما تختلف معه لويز فوكسكروفت، وهي مؤرخة ألفت كتاباً بعنوان “تاريخ الالتزام بحمية غذائية على مدار ألفي عام”.

وتقول فوكسكروفت في هذا الشأن: “هناك الكثير للغاية من نظم الحمية الغذائية المطروحة أمام عامة الناس، ويشكل تناول أغذية ومشروبات تتوخى ضمان صحتهم البدنية والذهنية، نهجاً أكثر شمولية للتمتع بنمط حياة صحي، وهو نظام حمية غذائية بغض النظر عما إذا كانوا (العاملون في هذا المجال) يطلقون عليه ذلك أم لا”.

إنه نظام يمكن أن تحيا عليه، وفكرته هي أن تصبح ممشوق القوام، لأنه يُنظر إلى التمتع بصحةٍ جيدة على أنه مرادفٌ لكون المرء رشيقاً، لذا لا مهرب من وصف التوجه لتناول تلك الأطعمة والمشروبات بأنه نظام حمية غذائية.

على أي حال، ثمة وفرة في الشركات التي تضطلع بتقديم منتجاتٍ تفي باحتياجات أنصار هذا التوجه الجديد، ومن بينها “بوتانيك لاب” للمشروبات، التي عَمِلتْ مؤسستها ومديرتها التنفيذية ريبيكا هول لعشر سنوات في مجال المصارف الاستثمارية، قبل إنشائها لهذه الشركة بهدف الاستفادة من ذلك السوق الجديد.

ومن بين منتجات “بوتانيك لاب”، مشروبٌ يحمل اسم “ريفيول”، وهو عبارة عن سائل أسود اللون يتألف – بحسب الملصق الموضوع على عبواته – من سائل “ممزوج بفحم طبي، وحشائش قصب سكر خام” مع بعض المذاق الحمضي الناجم عن إضافة قدر من “اليوزو” الخام، وهي فاكهةُ تُزرع في اليابان.

لكن هل يتناول الناس مشروبات مثل هذه لأنها تبدو وسيلة سهلة لاكتساب صحة أفضل دون الاضطرار إلى التحرك وممارسة بعض التدريبات الرياضية؟

تقول هول في هذا الصدد: “الكل يريد حلاً سريعاً، وإذا كان بوسعك أن توفر لشخصٍ ما شيئاً يُجنبه الإزعاج والفوضى، فإن ذلك أمرٌ عظيمٌ، وهو جزءٌ مما نقوم به”.

وتواصل هول حديثها بالقول: “لكن لهذه المشروبات (التي نقدمها) وظيفة حقيقية مرتبطة بها، وهي تُستخدم من جانب عدد من الفرق الرياضية في المملكة المتحدة، من بينها على سبيل المثال فرق تتنافس في الدوري (الإنجليزي) الممتاز، وتريد أن تساعد (لاعبيها) على إعادة تزويد أجسادهم بالطاقة بعد ممارسة التدريبات، ولا ترغب في اللجوء في هذا الشأن بالضرورة إلى السكر المُكرر والمُكونات المُعالجة”.

لكن ما الذي يمكن أن يحدث عندما ينتاب الناس الملل من اتباع التوجه المرتبط بتناول أطعمة ومشروبات تجعلهم أصحاء بدنياً وذهنياً، ويبدأون – من ثم – في تبني توجه جديد متعلق بالصحة واللياقة البدنية؟

وللإجابة عن هذا السؤال يمكن استطلاع رأي هول التي تقول: “هناك صيحاتٌ مختلفة في إطار هذا التوجه. ففي كل أسبوع، يظهر نوعٌ جديد من الغذاء (يُوصف) بأنه فائق المميزات، لكنني أرى أن فكرة الحرص على التمتع بالصحة البدنية والذهنية كمفهومٍ شامل، لن تتلاشى”.

وتضيف: “فالناس يريدون العمر الطويل (ويتساءلون) ‘ما هو إكسير الحياة، وكيف يمكنني أن أعيش لسنواتٍ أطول؟’ ويشكل السعي وراء ذلك دافعاً للخيارات (المنتجات) التي نقدمها على صعيد المشروبات والمأكولات، والمنتجات الخاصة بنمط الحياة” الصحي المنشود.

ولعل عشاق ذاك التوجه الذي يرمي إلى الحفاظ على الصحة البدنية والذهنية، سيجدون ضالتهم في معرض “ستايلست ليف” الموجود في لندن، والذي يتخصص في عرض المنتجات الخاصة بأنماط الحياة المختلفة.

فهذا المكان، الذي يحتوي على 200 جناح للعرض، ويصل عدد رواده إلى نحو 20 ألف زائر، ويُقدر عدد المتحدثين فيه بالعشرات، يضع أمام المهتمين بالمأكولات والمشروبات التي تحقق الصحة البدنية والذهنية لمستهلكيها، مجموعة مذهلة من الخيارات في هذا السياق.

ومن بين العارضين في هذا المكان؛ شركة “إل آيه برواري” التي أسستها لويس إيفري، والتي تنتج نوعاً ذا فوائد صحية من شاي مُخمر يُعرف باسم “كومبوتشا”، وهو مشروبٌ صار بسرعة قياسية من بين المشروبات المفضلة في أوساط المهتمين بالمنتجات التي تكسب المرء الصحة البدنية والذهنية.

وتقول إيفري في هذا الشأن إن شاي “كومبوتشا” كان يُشرب “في الصين في الأصل قبل ألفي عام، وكان مشروباً مُنشطاً للصحة. وقد طَوّرتُ مشروب كومبوتشا الذي أبيعه ليصبح مشروباً غازياً”.

وتستطرد بالقول إن عملية التخمير، التي تشملها مراحل إعداد هذا المشروب، تعني أن مُعديه لا يستطيعون سوى استخدام “مكوناتٍ غاية في البساطة مثل الشاي، والسكر الذي يتخمر في إطار هذه العملية، ثم تضاف فاكهةً طازجة، لتصل في النهاية إلى هذا المشروب الغازي لذيذ الطعم ذو المذاق اللاذع، والفوائد الصحية. إنه مفيدٌ لك ولا يتضمن” أي إضافات مُضرة بالصحة.

في الوقت نفسه، هناك شركاتٌ أخرى تلجأ إلى استبعاد مكونات بعينها من منتجاتها، من بينها “هيك سوسيدجيس” للنقانق التي تقدم نقانق من لحم الخنزير والدجاج خالية من الغلوتين.

ويعاني الكثير من زبائن هذه الشركة من داءٍ مناعي يصيب أمعاءهم الدقيقة، ويشكل رد فعل على تناول مواد غذائية تحتوي على الغلوتين، ولكن آخرين – ومنهم جيمي جيبل الذي يعمل في هذا المكان- آثروا طواعية ألا يتضمن نظامهم الغذائي تلك المادة.

ويقول جيبل إنه لا يعاني من حساسية من الغلوتين، لكنه يفضل فقط ألا يأكل أغذية تحتوي على هذه المادة “لأنها تجعلني أشعر بأن حالتي مختلفة قليلاً عما هي عليه إذا لم أتناولها”.

ويضيف: “يتصور الجميع أن الغلوتين ضار بالصحة، وبالتالي يفترضون بالطبع أنه شيءٌ ينبغي تجنبه”.

ويرتبط مفهوم التمتع بصحة بدنية وذهنية جيدة في أغلب الأحوال بتعبيرٍ طنان آخر، وهو “الأكل النظيف” أو “الأكل الخالي من الشوائب”، والذي يعني أنه يتعين على المرء ألا يستهلك سوى الأطعمة التي لم تتعرض سوى إلى الحد الأدنى من المُعالجة.

ويبدو ذلك أمراً منطقياً للغاية، إلى أن يتحول إلى هوس يستحوذ على المرء.

وبطبيعة الحال، هناك منتقدون لمفهوم “الأكل الخالي من الشوائب” وربطه بالتمتع بصحة جيدة.

ومن بين هؤلاء، دانييلا آيزكس التي كانت تؤدي عرضاً مسرحياً مثيراً للجدل في لندن، تروي من خلاله تجربتها مع الالتزام بمقتضيات ما يُعرف بـ”الأكل النظيف”.

فقد كانت آيزكس في يومٍ ما إحدى المناصرات المتحمسات بشدة لهذا التوجه، الذي انجذبت إليه في بادئ الأمر لأنه مَكَّنها من التحكم والسيطرة على حياتها، وقادها إلى أن تحذف بعض المواد الغذائية، مثل الغلوتين ومنتجات الألبان والسكريات واللحوم، من قائمة طعامها.

لكن آيزكس قررت في نهاية المطاف تغيير مسارها، وهي تؤلف الآن كتاباً عن تجربتها.

وتقول: “بطبيعة الحال، هناك بعض الأمور الرائعة التي تكمن في مفهوم التمتع بصحة بدنية وذهنية جيدة، لكن عندما يتحول هذا الأمر إلى صناعة تدفعها النزعة الاستهلاكية، فإنه يصبح عاجزاً عن تقديم الإجابات التي نبحث عنها، والتي تمنحك حياة صحية بحق”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.